محمد غازي عرابي
798
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [ النحل : 125 ] . فالمجتمع الإسلامي نظام كامل ، إن أغفل بعضه هوى كله ، ولهذا أمر اللّه المسلمين بأن يقيموا الحدود . . . أما أن يكون الحديث تزجية للوقت وانتقاد الآخرين دون تنبيههم على أغلاطهم أي النصح لهم ، والخوض في الحديث عن قضايا هي فوق طور العقل الإنساني وأبعاده فهذا ما سماه سبحانه لهوا ونهى عنه . وقوله سبحانه : وَيَتَّخِذَها هُزُواً يعني غير المؤمنين من المنافقين بخاصة الذين يظهرون الإسلام ويبطنون خلافه ، وهؤلاء يستهزئون ، يسمعون كلام اللّه ثم يستخفون به ويجعلونه وراءهم ظهريا ، واللّه يستهزئ بهم بدوره ، لأن من لم يكن للّه نصيرا فهو بالضرورة للقرين نصير . [ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 10 إلى 11 ] خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ( 10 ) هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 11 ) [ لقمان : 10 ، 11 ] لا عمد للسموات ، إذ العمد أشياء حسية ، والسماوات ليست شيئا حسيا ، بل هي أساس الحس والمحسوسات وعالم العيان ، فالسماوات المعقولات التي قلنا إنها مشعة عن الروح الصادر بدوره عن الذات الخالصة ، وقول أرسطو في هذا الصدد : ليست النفس في الجسم بل الجسم في النفس ، لأن النفس أوسع ، هذا القول يجلو أبعاد الروح ، وكيف أنها هي البداية والأرضية والأساس ، وهذا ما أوضحه هيغل وشرحه وألح عليه ، والرواسي الثوابت من المعقولات من الأخلاق التي سماها كانط القانون ، والتي هي دليل الإنسان في ظلمات دنياه ، والناس قد يختلفون في أي شيء إلا في الكليات الأخلاقية ، فلا يختلف اثنان في أن الصدق والعدل والتضحية هي قواعد مسلم بها متفق على أهميتها ، والتي لا يمكن للإنسان أن يحيا من دونها . وقلنا في كتابنا الإنسان الكامل إن الأطفال والحيوانات يشعرون بهذه القواعد الأخلاقية وينشدونها ويعاملون الآخرين على أساسها ، واللّه هو خالق هذه القواعد الرواسي ، ومن دون اللّه ما كان لهذه القواعد أن تكون ، وفي روايتنا ( ذات الساق المبتورة ) قلنا أن لو أراد اللّه أن يجعل قواعد الأخلاق غير ما هي عليه وضد ما هي عليه لفعل ، ولكم حاولت فلاسفة وحكاما أن يضعوا للعالم قواعد بديلة كنظرية القوة لنيتشة والنظرية العرقية فما استطاعوا ، ولئن تبنت البشرية نظرية من هذه النظريات البديلة لتبين لها عند التطبيق خطلها ونقصانها وفسادها وعدم صلاحيتها للحياة فاستبدلوها وعادوا إلى القواعد الأصيلة القديمة .